أحمد بن محمود السيواسي

84

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

ذكر « 1 » في مواضع من القرآن قصص الأولين في الهلاك كالمثل الذي يسار به لشهوته . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 9 إلى 11 ] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 9 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 10 ) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ ( 11 ) ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ) أي المشركين ( مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ ) في ملكه ( الْعَلِيمُ ) [ 9 ] بخلقه ، فزاد اللّه تعالى وصفه في جوابهم ليأخذوا طريق الهدى ويتركوا طريق الضلالة فقال هو ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً ) وقرئ « مهادا » « 2 » ، أي قرارا للخلق ( وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا ) أي طرقا « 3 » ( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) [ 10 ] أي إرادة أن تعرفوا طرقها من بلد إلى بلد بلا مشقة أو إرادة أن تعرفوا هذه النعم وتشكروا ربها ، ثم عطف على الذي جعل قوله ( وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ) زيادة تذكير النعم لهم ، أي هو الذي أنزل من السماء ( ماءً بِقَدَرٍ ) أي بمقدار الحاجة ولم يكن طوفانا ، ثم التفت من الغيبة إلى التكلم إظهارا لعظمة نفسه وافتقارهم إليه بما لا بد لهم في معيشتهم ليؤمنوا بوحدانيته ويقروا بالبعث بقوله ( فَأَنْشَرْنا ) أي أحيينا ( بِهِ ) أي « 4 » بالمطر ( بَلْدَةً مَيْتاً ) أي يابسة لا نبات فيها ( كَذلِكَ تُخْرَجُونَ ) [ 11 ] من قبوركم ولا ينفعكم إنكاركم ثمة . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 12 ] وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ ( 12 ) ثم زاد الوصف في ربوبيته لهم لرفع جهلهم به بقوله ( وَ ) هو ( الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ ) أي الأصناف ( كُلَّها ) من الحيوان والنبات وغير ذلك ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ) أي من السفن والإبل والدواب ( ما تَرْكَبُونَ ) [ 12 ] عليها . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 13 ] لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ( 13 ) ( لِتَسْتَوُوا ) أي لتثبتوا ( عَلى ظُهُورِهِ ) أي على ظهور ما تركبون ( ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ ) عليكم بألسنتكم معترفين بها في قلوبكم معظمين لها ( إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ ) أي على مركوبكم ( وَتَقُولُوا ) عند ذلك تحميدا وتنزيها ( سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ ) أي ذلل ( لَنا هذا ) المركوب ( وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ) [ 13 ] أي مطيعين أو ضابطين . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 14 ] وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ( 14 ) ( وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ) [ 14 ] أي راجعون إليه في الآخرة ، قيل : وجه اتصاله بما قبله أن الركوب مباشرة أمر مخطر وسبب تلف فكان من حق الراكب أن لا ينسى يوم موته فيقول ذلك بقلبه ولسانه ليكون مستعدا للقاء ربه باصلاح نفسه « 5 » ، روي عن النبي عليه السّلام : « أنه قال بسم اللّه حين وضع رجله في الركاب ، فلما استوى على الدابة قال « الحمد للّه سبحان الذي سخر لنا » الآية ، ثم حمد اللّه ثلاثا وكبر ثلاثا ، ثم قال : لا إله إلا اللّه ظلمت نفسي فاغفرلي إن لا يغفر الذنوب إلا أنت » « 6 » ، قيل : لا ينبغي للعاقل أن يركب تلذذا وتنزها « 7 » . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 15 ] وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ( 15 ) ( وَجَعَلُوا لَهُ ) أي إنهم مع اعترافهم بخالق السماوات والأرض حين سئلوا عنه قد جعلوا ، أي حكموا

--> ( 1 ) ذكر ، ح و : اذكر ، ي . ( 2 ) « مهدا » : قرأ الكوفيون بفتح الميم وإسكان الهاء ، وغيرهم بكسر الميم وفتح الهاء وألف بعدها . البدور الزاهرة ، 288 . ( 3 ) طرقا ، وي : طريقا ، ح . ( 4 ) أي ، وي : - ح . ( 5 ) اختصره المفسر من الكشاف ، 5 / 221 . ( 6 ) أخرجه الترمذي ، الدعوات ، 47 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 5 / 94 . ( 7 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التفسيرية التي راجعتها .